أخبار
سلاح جديد بيد المجتمع المدني بقلم
بقلم سيفي
في عالم يشهد تحولًا رقميًا متسارعًا، لم تعد الرقمنة ترفًا تقنيًا أو خيارًا إضافيًا أمام جمعيات المجتمع المدني، بل أصبحت ركيزة أساسية لتطوير أدائها، وتعزيز حضورها، وإيصال رسائلها إلى مختلف فئات المجتمع. وأضحى الفضاء الرقمي اليوم أحد أهم ميادين العمل الجمعوي، إلى جانب الميدان، لما يوفره من سرعة في التواصل، واتساع في الانتشار، وقدرة على التأثير.
لقد غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي، ومنصات النشر الإلكتروني، وتطبيقات التواصل الحديثة، مفهوم العمل الجمعوي التقليدي، حيث أصبحت الجمعيات قادرة على إطلاق حملات توعوية في وقت قياسي، وتنظيم أنشطة افتراضية، والتواصل المباشر مع المواطنين، واستقطاب المتطوعين، وبناء شراكات جديدة، فضلاً عن عرض حصيلة أعمالها بكل شفافية أمام الرأي العام.
ولم يعد نجاح أي جمعية يقاس فقط بعدد الأنشطة التي تنظمها، بل أيضًا بمدى قدرتها على توظيف الأدوات الرقمية في خدمة رسالتها. فالحضور الإلكتروني المهني، والمحتوى الهادف، والتفاعل المستمر مع المواطنين، أصبحت كلها مؤشرات تعكس حيوية الجمعية وقدرتها على مواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع.
وفي المقابل، كشفت الرقمنة عن تحديات حقيقية تواجه عدداً من الجمعيات، من بينها ضعف التكوين في المجال الرقمي، وقلة الكفاءات المتخصصة، ومحدودية الإمكانيات التقنية، إضافة إلى مخاطر الأخبار المضللة، والاعتداء على المعطيات الشخصية، والاستعمال غير المسؤول لمنصات التواصل الاجتماعي. وهي تحديات تستدعي الاستثمار في التأهيل الرقمي، واعتماد استراتيجيات تواصل حديثة تقوم على المصداقية والاحترافية.
كما أن التحول الرقمي لا ينبغي أن يقتصر على إنشاء صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، بل يتطلب رؤية متكاملة تشمل تطوير المواقع الإلكترونية، واعتماد منصات لتدبير المشاريع والبيانات، والاستفادة من الخدمات الرقمية في التواصل مع الشركاء والمانحين، وإعداد التقارير، وتتبع البرامج، وقياس أثر المبادرات المجتمعية.
إن الرقمنة لا تلغي قيمة العمل الميداني، بل تمنحه قوة إضافية، وتوسع دائرة تأثيره، وتجعل صوت المجتمع المدني أكثر حضورًا في النقاش العمومي. فالجمعية التي تجمع بين المبادرة الميدانية والاحترافية الرقمية، تكون أكثر قدرة على كسب ثقة المواطنين، واستقطاب الشركاء، والمساهمة في تحقيق التنمية المستدامة.
لقد أصبح من الواضح أن المستقبل سيكون للجمعيات التي تستثمر في المعرفة، وتؤمن بأهمية التكنولوجيا، وتجعل من الرقمنة وسيلة لخدمة الإنسان، لا غاية في حد ذاتها. فالتغيير الحقيقي يبدأ من الميدان، لكنه اليوم يحتاج أيضًا إلى شاشة، ومنصة، ورسالة تصل في الوقت المناسب إلى الجمهور المناسب.